ابن قيم الجوزية
649
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
الثاني عشر : أن العذاب مقصود لغيره لا لنفسه ، وأما الرحمة والإحسان والنعيم فمقصود لنفسه ، فالإحسان والنعيم غاية ، والعذاب والألم وسيلة ، فكيف يقاس أحدهما بالآخر . الثالث عشر : أنه سبحانه أخبر أنّ رحمته وسعت كلّ شيء ، وأن رحمته سبقت غضبه ، وأنه كتب على نفسه الرحمة ، فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين ، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية ، لم تسعهم رحمته ، وهذا ظاهر جدا . فإن قيل : فقد قال سبحانه عقيبها : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ( 156 ) [ الأعراف ] إلى آخر الآية ، يخرج غيرهم منها ، لخروجهم من الوصف الذي يستحق به . قيل : الرحمة المكتوبة لهؤلاء هي غير الرحمة الواسعة لجميع الخلق ، بل هي رحمة خاصة ، خصّهم بها دون غيرهم ، وكتبها لهم دون من سواهم ، وهم أهل الفلاح الذين لا يعذبون ، بل هم أهل الرحمة والفوز والنعيم . وذكر الخاص بعد العام استطرادا ، وهو كثير في القرآن ، بل قد يستطرد من الخاص إلى العام كقوله : * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 189 ) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 190 ) [ الأعراف ] فهذا استطراد من ذكر الأبوين إلى ذكر الذرية . ومن الاستطراد قوله : إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ( 6 ) [ الصافات ] وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ ( 5 ) [ الملك ] فالتي جعلت رجوما ليست هي التي زيّنت بها السماء ، ولكن استطرد من ذكر النوع إلى نوع آخر ، وأعاد